الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

181

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

فقوله عليه السّلام : " لا يحتمله أحد من الخلائق " أمره بكماله : يشير إلى تلك الحقيقة الإلهية المحمدية صلَّى اللَّه عليه وآله . وقولهم في الدعاء : " لا فرق بينك وبينها إلا أنهم عبادك . . . " الدعاء أي لا فرق بينك وبينها إلا أنهم ليسوا بواجب الوجود بل عبادك بحقيقة العبودية . أقول : قد ذكر بعض أهل المعرفة في علم النفس أنه لا ريب في اتحاد العاقل بالمعقول ، وقد برهن عليه في محله بما لا مزيد عليه ، فالنفس قد تترقى إلى أن تتّحد مع المعقولات الأولية والأنوار المفارقة ، ونقل عن الفارابي أنّ شأن الموجودات كلها أن تعقل وتحصّل صورا - لتلك الذات - يعني بالذات ذات النفس الناطقة الإنسانية . وكيف كان فالنفس الناطقة الإنسانية التي تكون مستعدّة بتمام الاستعداد تترقّى شيئا فشيئا إلى أن تصير عقلا مستفادا أي عقلا بسيطا أي علما بسيطا ، والعلم البسيط من شأنه ومن سعة نورانيته وجامعيته حائز لجميع الأنوار الحقة والأسماء الإلهية سوى ما استأثره تعالى لنفسه ، كل ذلك يكون له من فيضه المطلق تبارك وتعالى . وهذا الإنسان يصير مظهرا لقوله تعالى : وعلَّم آدم الأسماء كلَّها 2 : 31 ( 1 ) ويجوز مقام الولاية التكوينية الإلهية ويكون خليفة اللَّه في الأرض ، أو هو حينئذ في منتهى مرتبة كمال القوة العقلية العلمية والعملية ، وهو في مقام عال فوق الخلق ودون الخالق ، وبهذه الجهة عبر عنه الشيخ الرئيس على ما نقل عنه : كاد أن يصير ربّا إنسانيا ، وكاد أن تحلّ عبادته بعد اللَّه تعالى وهو سلطان العالم الأرضي وخليفة اللَّه فيه . أقول : إذا كان شأن الإنسان الكامل أن يكون هكذا فما ظنك بمحمد وآله الطاهرين ؟

--> ( 1 ) البقرة : 31 . .